سيد محمد طنطاوي
13
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن القرآن الكريم ، فوصفته بأنه هو الكتاب المصدق لما بين يديه من الكتب ، وهو المهيمن عليها ، وهو الذي إليه المرجع في الأحكام ، وأن الذين يبغون التحاكم إلى غيره ضالون ظالمون . قال - تعالى - أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ، ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّه حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . - ثم وجهت السورة الكريمة في مطلع الربع الخامس « 1 » منها نداء إلى المؤمنين أمرتهم فيه بأن يجعلوا ولايتهم للَّه ولرسوله ولإخوانهم في العقيدة ، ونهتهم عن موالاة الذين يخالفونهم في الدين . ووصفت الذين يتولون من غضب اللَّه عليهم بالنفاق ومرض القلب ، وبشرت المطيعين للَّه بالنصر والظفر قال - تعالى : ومَنْ يَتَوَلَّ اللَّه ورَسُولَه والَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّه هُمُ الْغالِبُونَ . ثم أمرت السورة الكريمة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يوبخ أهل الكتاب بسبب كراهيتهم لأهل الحق ، وأن يخبرهم بأن المستحقين للكراهية هم أولئك الذين لعنهم اللَّه وغضب عليهم ، لكفرهم ، ومسارعتهم في الإثم والعدوان . ولافترائهم على اللَّه - تعالى - الكذب ، حيث وصفوه - سبحانه - بالبخل والشح . قال - تعالى - : وقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّه مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا . بَلْ يَداه مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ . ولَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وكُفْراً . وأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ والْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه ، ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً ، واللَّه لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . وبعد أن بينت السورة الكريمة لأهل الكتاب أنهم لو آمنوا بالحق الذي جاءهم به محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لكفر اللَّه عنهم سيئاتهم ، ولأدخلهم جنات النعيم ، ولرزقهم من فضله الرزق الجزيل . بعد أن بينت كل ذلك ، وجهت في مطلع الربع السادس « 2 » منها إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم نداء أمرته فيه بتبليغ ما أمره اللَّه بتبليغه بدون خشية أو تردد ، ووعدته بعصمة اللَّه - تعالى - له من الناس كما أمرته بمصارحة أهل الكتاب بما هم فيه من باطل وضلال . ثم ساقت جملة من الرذائل التي انغمس فيها أهل الكتاب ، فحكت نقضهم للعهود والمواثيق ، وتكذيبهم للرسل تارة وقتلهم إياهم تارة أخرى ، كما حكت قولهم الباطل : إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . وقولهم : إِنَّ اللَّه ثالِثُ ثَلاثَةٍ .
--> ( 1 ) الآيات من 50 - 66 ( 2 ) الآيات من 67 - 81